أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
144
نثر الدر في المحاضرات
في السّتّ الأواخر بما أحبط الأوائل ، ثم مضى لسبيله ، وولي عليّ بن أبي طالب فلم يبلغ من الحقّ قصدا ، ولم يرفع له منارا ، ثم مضى لسبيله ، وولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول اللّه وابن لعينه فاتّخذ عباد اللّه خولا ، ومال اللّه دولا ، ودينه دغلا ، فالعنوه لعنة اللّه . ثم ولي يزيد بن معاوية ، يزيد الخمور ، ويزيد القرود ، ويزيد الفهود ، الفاسق في بطنه ، المأبون في فرجه ، ثم اقتصّهم خليفة خليفة . فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عن ذكره . ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في بطنه المأبون في فرجه الذي لم يؤنس منه رشد ، ولم يرع له عهد . وقد قال اللّه في أموال اليتامى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] . فأمر أمّة محمد أعظم . يأكل الحرام ، ويشرب الحرام ، ويلبس الحلّة قوّمت ألف دينار ، قد ضربت فيها الأبشار ، وهتكت فيها الأستار ، وأخذت من غير حلّها ، حبابة عن يمينه ، وسلّامة عن يساره يغنّيانه حتّى إذا أخذ الشارب منه كلّ مأخذ قد ثوبه ، ثمّ التفت إلى إحداهما فقال : ألا أطير ؟ نعم ، فطر إلى النّار . وأمّا بنو أميّة ففرقة الضّلالة ، بطشهم بطش جبريّة ، يأخذون بالظّنة ، ويقضون بالهوى ، ويقتلون على الغضب ، ويحكمون بالشفاعة ويأخذون الفريضة من غير موضعها ، ويضعونها في غير أهلها ، وقد بيّن اللّه أهلها فجعلهم ثمانية أصناف . قال : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [ التوبة : 60 ] إلى آخر الآية . فأقبل صنف تاسع ليس منهما فأخذها كلّها . تلكم الأمة الحاكمة بغير ما أنزل اللّه . خطبة قطري ابن الفجاءة « 1 » أمّا بعد : فإني أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات وراقت بالقليل ، وتحبّبت بالعاجلة ، وخلبت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ولا تدوم حبرتها ، ولا تؤمن فجيعتها ، غرّارة ضرّارة ، وحائلة زائلة ، ونافذة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو - إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها ، والرّضا عنها - أن تكون كما قال اللّه تعالى : كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [ الكهف : 45 ] .
--> ( 1 ) قطري ابن الفجاءة : هو أبو نعامة جعونة بن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي ، والفجاءة أمّه ، من رؤساء الخوارج وأبطالهم ، من أهل قطر ، توفي سنة 78 ه ( الأعلام 5 / 200 ) .